الراغب الأصفهاني

369

الذريعة إلى مكارم الشريعة

فضيلة التفرد عن الناس ورذيلته قد كثر اختلاف الناس في مفاضلة التفرد والاختلاط ، فبعضهم آثر التفرد عن الناس ، وبعضهم آثر الاختلاط بهم ، وقد أورد كل واحد في مذهبه أخبارا وآثارا وذلك بسبب اختلاف نظرهما وابتلاء أحدهما بمصاحبة من لم تحمد مصاحبته ومصاحبة الآخر من تحمد صحبته ، والأصل أن اجتماع الناس بعضهم مع بعض أمر ضروري لتعلق أمور بعضهم ببعض ولهذا لما سمع أمير المؤمنين عمر رضي اللّه عنه رجلا يقول : اللهم أغنني عن الناس فقال يا رجل أراك تسأل اللّه الموت قل اللهم أغنني عن شرار الناس . فالناس لا يستغني بعضهم عن بعض ما داموا أحياء ، ثم في المعاشرة والتفرد عن الأخيار الذين يفيدونك ويعينونك ولا يؤذونك مكروه سيما إذا لم تدرب في الفضل ولم تستعن عن اقتباس العلم وأما عن الأنذال الذين يتدنس بمصاحبتهم فمحمود « 1 » ، وقد قيل التفرد مكروه إلا لثلاثة لسلطان لإنشاء تدبير المملكة ، وحكيم لاستنباط الحكمة ، ومتنسك لمناجاة رب العزة ، فإن التفرد يبطل الإنسانية ولا يظهر من صاحبه فضيلة ومن ظن بالمتفرد خيرا فلأجل أن ليس يظهر منه شيء وهذا يشاركه فيه الموتى ، وفضيلة الإنسان أن يكون خيرا لا أن يكون شريرا وإن كان زماننا هذا كما قال المتنبي : إنا لفي زمن ترك القبيح به * من أكثر الناس إحسان وإجمال فحق العاقل الفاضل أن يجتمع مع العامة في ظواهر أحكام الشرع وإقامة وظائف العبادات وإنالتهم من الفضيلة بقدر الوسع ، ويترفع عن منزلتهم في المعارف والأخلاق والأفعال الجميلة ولمراعاة الحكم الظاهر قال عليه الصلاة والسّلام : « عليكم بالسواد الأعظم » « 2 » ، ولمراعاة الترفع عن منزلتهم في المعارف

--> ( 1 ) من قوله « ما داموا أحياء » إلى قوله « فمحمود » سقط من ط فقط . ( 2 ) هذا جزء من حديث رواه ابن ماجة بلفظ « إن أمتي لا تجتمع على ضلالة ، فإذا رأيتم -